غانم قدوري الحمد
8
رسم المصحف
العلامات ، وعندما استقبلت هذه المرحلة من حياتي الدراسية اقترح عليّ أستاذي الدكتور عبد الصبور شاهين أن أدرس موضوع ( الرسم المصحفي ) ، دراسة لغوية تاريخية للحصول على درجة الماجستير ، من حيث طريقة كتابة الكلمات ، وعدد الرموز التي يتكوّن منها هجاؤها ، ومدى وفاء تلك الرموز والعلامات المكتوبة بتمثيل الأصوات المنطوقة ، وهذا هو ميدان اللغوي ، لا من ناحية شكل الحرف وجمالية الخط ، فهو ميدان الخطاط ومؤرخ الخط . وتكاد تكون محاولة البحث هذه أول دراسة تتناول الرسم المصحفي والكتابة العربية من وجهة نظر لغوية ، ذلك لأن الدراسات التي سبقت في هذا الموضوع - قديمة وحديثة - كانت تتناول الرسم والكتابة من وجهات نظر أبعد ما تكون عن طبيعة الكتابة التي تقوم - أصلا - على أسس صوتية محضة ، ولا شك في أن كتب الرسم القديمة لم تحاول أن تعطي تفسيرا لظواهر الرسم العثماني ، وإنما قدمت لنا وصفا دقيقا أمينا - يثير الدهشة ويستحق الإعجاب - لطريقة رسم الكلمات في المصاحف العثمانية ، ولولا ذلك الوصف لغابت عنا تفاصيل كثيرة تتعلق بتاريخ الكتابة العربية ، وإذا ما عثرنا في تلك الكتب أو في كتب علماء العربية على تعليلات لبعض الظواهر فإنها تعتبر نظرات جزئية لا تتناول إلا أمثلة محدودة لا تعطي تفسيرا شاملا لظواهر الرسم ، إضافة إلى أنها كانت تفتقر - أحيانا - إلى المعرفة الصحيحة لتأريخ تلك الظواهر التي كشفت الدراسات المعاصرة في الكتابات القديمة كثيرا من أسرارها . ولعل أشهر محاولة لتفسير ظواهر الرسم في القديم - تقوم على أساس محدد هي تلك التي يعرضها أبو العباس أحمد المراكشي الشهير بابن البناء ( ت 721 ه ) في كتابه : ( عنوان الدليل في مرسوم خط التنزيل ) ، وكان أساس هذه المحاولة هو تفسير ظواهر الرسم على أساس اختلاف معاني الكلمات حسب السياقات بأسلوب صوفي باطني لا يمت إلى اللغة ولا إلى طبيعة الكتابة بأي سبب ، ولا شك في أن الصحابة - رضوان اللّه عليهم - لم يدر في خلدهم ، وهم يكتبون القرآن في المصحف ، شيء من تلك المعاني التي يذكرها أبو العباس المراكشي ، إنما كانوا يكتبون بما اعتادوا عليه من نظام كتابتهم . وكان لمذهب أبي العباس هذا أثر في مواقف من تعرّضوا لدراسة ظواهر الرسم من